صفحة الرئيسية / أخبار منوعة / انعدام ثقافة “الاستقالة” في العمل السياسي والحكومي بالمغرب!

انعدام ثقافة “الاستقالة” في العمل السياسي والحكومي بالمغرب!

عبدالصمد بوحلبة / أخبار المغرب.
كثيرة هي فضائح وأخطاء المسؤولين في المغرب، نوابا كانوا أو وزراء أو مجرد موظفين..وتبقى الاستقالة والاسراع بتقديمها إجراء أخلاقيا، يعني اولا الاعتراف بالخطأ المهني، وهذا دليل على ان الوزير او المسؤول يعترف بخطأه، أوعدم نجاحه في أختيار من هو الاصلح للمركز الوظيفي، أو لتقصيره في السهر على المصالح العامة للمواطنين، وهي تهدف الى اعلاء شأن قيمة المسؤولية الأدبية والالتزام الاخلاقي للمنصب الوظيفي..غير أنه مازالت تطالعنا في صحف ومواقع على الانترنيت، كلما دعا المغاربة مسؤولا للرحيل أو تقديم استقالته، إثر أيّ سلوك يستدعي ذلك، ردود فعل غريبة من مواطنين، أغلب الظن أنهم من الشبيبات الحزبية التي تحمل لواء الدفاع عن مصالحها الشخصية الضيقة بالدفاع وتمجيد قادتها، رغم تورطهم الظاهر في التقصير في المهام الموكولة إليهم أو نتيجة تصريحاتهم الصادمة للرأي العام..ردود تكشف كم من السنوات الضوئية تبعدنا عن الديمقراطية..فمواطنون يعربون عن استغرابهم من دعوات شعبية لاستقالة وزيرة، وآخرون قالوا ان اللجوء الى الاستقالة في مثل هذه الحالات تقليد غربي اوروبي وانه بدعة بعيدة كل البعد عن تقاليد ديننا العنيف، ومواطن يرى ان الاستقالة هي محاولة للفت الانظار، خصوصا إذا علمنا أن الفاعل لن تقبل استقاله..وتبقى الاستقالة وتحمل المسؤولية عملا شجاعا، وسيؤدي شيوع هذه الثقافة الى انتشار وتقبل مفهوم تحمل المسؤولية والمحاسبة والمراقبة.
أما عندنا في المغرب، فيبدو أن الاستقالة حرام أو رجس من عمل الشيطان..ففي حكومة سعد الدين العثماني، ورغم “تجاهل” وزيرات وكاتبات للدولة وتقليص دورهن في وزارات معينة، لم تجرؤ ولا واحدة منهن على تقديم استقالتها، واكتفين بالشكوى والتذمر، وهنّ رقية الدرهم، القيادية في الاتحاد الاشتراكي، كاتبة الدولة لدى وزير الصناعة والاستثمار والتجارة والاقتصاد الرقمي، والقيادية في الحركة الشعبية، فاطنة الكيحل، كاتبة دولة مكلفة بالإسكان لدى وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وجميلة المصلي، القيادية في حزب العدالة والتنمية، كاتبة الدولة لدى وزير السياحة والنقل الجوي المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي، وشرفات أفيلال، القيادية في حزب التقدم والاشتراكية، وهي كاتبة الدولة ومكلفة بالماء..حتى مصطفى الرميد، وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، آنذاك، ورغم تقزيم صلاحياته في تدبير الوضعية الحقوقية في البلاد، اكتفى بالتهديد بتقديم استقالته، ليس فورا ولكن خلال الأشهر المقبلة! وهو ما لم يقدم عليه، خشية قبول استقالته، وضياع فرصة استفادته من امتيازات خدام الدولة..وهذه الوضعية الشاذة في الحكومة الفذة، لم ينفها الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى الخلفي، في ندوة صحفية، حيث أقر بوجود حالات قليلة بدون اختصاصات وصلاحيات يتم معالجتها..ورغم الضجة الإعلامية التي أثارها التصريح الصادم لبسيمة الحقاوي، وزيرة الأسرة والتضامن والمساواة والتنمية الاجتماعية، بكون من يملك 20 درهما ليس فقيرا، وما شنه رواد مواقع التواصل الاجتماعي، من حملة شرسة ضدها، حيث تم عرض صور الفيلا التي تقطنها بمدينة الرباط، لم تقدم السيدة الوزيرة على تقديم استقالتها، وهي التي كانت نائبة قوية الصوت والحجة في الدفاع عن حقوق ومصالح الطبقة الهشة في المجتمع المغربي، بل لم تخرج، على الأقل، للدفاع عن انجازاتها وما حققته لصالح الأسرة المغربية والتضامن الإجتماعي والحد من الفقر والهشاشة، خلال ولايتها الحكومية الأولى والثانية!!
الاستقالة وطلب الاعفاء من تحمل مسؤولية عامة ما ليست ظاهرة عادية في الديمقراطيات الغربية فقط، بل يسجلها التاريخ لصالح المرأة العربية اليمنية أيضا، إذ اعتذرت الناشطة قبول محمد عبدالملك المتوكل، عن عدم تولي حقيبة الشؤون الاجتماعية لأسباب خاصة..قائلة في رسالة اعتذار إلى رئيس الحكومة المهندس خالد بحاح “أشكركم على الثقة التي منحتوني من خلال تكليفي بتولي منصب ضمن التشكيلة الحكومية برئاستكم”، مضيفةً “أتمنى أن تتقبلوا اعتذاري عن قبول المنصب لأسباب خاصة تمنعني في هذه المرحلة..وتابعت المتوكل في الرسالة التي نشرتها على صفحتها الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي الفايسبوك: “أتمنى أن تتمكن هذه الحكومة بقيادتكم من السير باليمن نحو بر الأمان، وسأظل أعمل لأجل اليمن من خلال موقعي في المجتمع المدني”..عايدة حاج علي، (29 عاما) وهي أصغر وزيرة سويدية مسلمة من أصل بوسني، قدمت استقالتها من الحكومة بعد أن ضبطتها الشرطة وهي تقود السيارة تحت تأثير الكحول، رغم أن نسبة الكحول في دمها كانت بنسبة 0,2 بروميل، وهي نسبة قليلة، لكن غير مسموح بها في السويد..وهي الوزيرة النشيطة في وزارة التعليم الثانوي ورفع الكفاءات في السويد، وقد قالت في مؤتمر صحافي، إنها لم تكن تتوقع أن تقع تحت تأثير الكحول بعد كأسين من النبيذ في حفلة في كوبنهاغن..وشددت على أنها قد ارتكبت بالفعل خطأ فادحا، قائلة “مع هذا، فقد ارتكبت أكبر خطأ في حياتي، وهذه هي المرة الأولى التي أقود فيها بحالة سكر”..وردا على سؤال حول سبب قرارها السريع بتقديم استقالتها، قالت حاج علي إنها شعرت بخيبة أمل واتخذت قرارها بالتشاور مع رئيس الوزراء. وأضافت “أعتقد أنه أمر خطير جدا، وعليّ أن أتحمل المسؤولية عما حدث”.
ثقافة الاستقالة أمر معروف وشائع ومفهوم في الدول الديمقراطية العريقة، وتقابل باحترام ولكنها لا تعفي من المساءلة والملاحقة القضائية. ويحتاج امر شيوعها، عندنا في المغرب، كثقافة الى حاضنة شعبية تتفهمها، وهي لا تقدم دائما بسبب انهيار مبنى او موت جماعي او سقوط عمود كهربائي، بل يجب ان تحدث لاسباب اخرى تتعلق بأنتهاكات حقوق الانسان ومساحة الافق الممنوح للحريات العامة، وكاعتراض على مستوى الاداء الحكومي، وتفشي الفساد الاداري والمالي، وربما تكون مرتبطة باخطاء سياسية فادحة، أو بالثبات والاصرار على موقف كاستقالة الرئيس الفرنسي الراحل ديغول الشهيرة العام 1969، عندما ربط مصيره السياسي بنتيجة استفتاء شعبي طالب خلاله بتعديل عضوية مجلس الشيوخ وأعطاء صلاحيات موسعة لمجالس الاقاليم، وعندما لم تات نتيجة الاستفتاء كما اراد، استقال وانسحب بهدوء من الحياة السياسية بعد تاريخ وطني حافل بالمفاخر..تلك فرنسا وهذا المغرب، وشتان بين الرايتين!

حول عبدالصمد بوحلبة

اترك تعليق