صفحة الرئيسية / أخبار منوعة / الثالوث المغربي المدنّس: تعويم الدرهم، تهريب الذهب وتنويم الشعب!

الثالوث المغربي المدنّس: تعويم الدرهم، تهريب الذهب وتنويم الشعب!


عبدالصمد بوحلبة / أخبار المغرب.
بات المغاربة يشعرون أن مواقع التواصل الإجتماعي، وخصوصا الفايسبوك والواتساب، ليست مجرد محطات للتسلية والترويح عن النفس..بل هي منابر حرة للرسائل الإجتماعية والإنسانية، التي تقع على كاهل الإنسان العاقل في هذا العالم المتغير والمتجدد..وصار كلّ مغربي ومغربية صوتا للحقيقة والواجب..
ومن جهتنا، نعتقد أنه آن الأوان لفضح الكذبة الأكبر والأخطر بخصوص التنمية التى يريدها أغلب الاقتصاديين المغاربة والأجانب للمغرب الحديث السائر بسرعة مجنونة نحو المجهول..محاولين نسخ التجربة التنموية الكورية الناجحة وإسقاطها على المغرب! داعين هذا الأخير إلى تنفيذ إملاءات التجارة الحرة والتودُّد للاستثمار الأجنبى والمعروفة باسم «الاقتصاد النيو ليبرالى»، الذى كان وراء ترويجه فى البلدان النامية تَحالُف حكومات دول ثرية بقيادة الولايات المتحدة ووساطة ثالوث المنظمات «الدولية» الاقتصادية الذى تسيطر عليه هذه الدول ويضم: صندوق النقد الدولى، والبنك الدولى، ومنظمة التجارة العالمية، حيث تستخدم الحكومات الثرية المعونات والقروض والسماح بدخول أسواقها كجزرة تحث بها الدول النامية على تبنى سياسات تنتهى إلى إفادة شركات ذلك اللوبى، وتخلق بيئة مُحابية للبضائع والاستثمار الأجنبيين، مع تحجيم طموح الإنتاج الوطنى..وهذا الثالوث المُدنَّس، والذى يعمل لصالح الدول الثرية فى النهاية، يخدم أغراضه جيش من المنظرين وبعض الأكاديميين المدربين، الذين يعرفون حدود اقتصاديات السوق الحرة التى يؤمنون بها ويتغاضون عن مخاطرها، وهم يشكلون آلة دعاية وتأثير قويين فى الدول النامية، مدعومين بالمال والنفوذ العابر للأقطار، وقد أرادت هذه المؤسسات أن تقنع المغرب “المغفّل” بأن تحقيق كوريا لمعجزتها الاقتصادية فى الستينيات والثمانينيات راجع لتبنيها استراتيجية التنمية الاقتصادية النيوليبرالية، لكنّ الحقيقة غير ذلك، لو تعلمون! فالذى فعلته كوريا لتنهض وتغدو قوة عظمية، بدأ بقرار مدروس لرعاية صناعات جديدة محددة اختارتها الحكومة بالتشاور مع القطاع الخاص، تحت حماية جمركية ودعم مالى وخدمات إعلامية وتسويقية فى العالم الخارجى من خلال الهيئة الحكومية للتصدير، وكانت الحكومة تمتلك جميع البنوك، فكان بوسعها تقديم القروض الائتمانية للمشاريع الإنتاجية، كما كانت تقوم بمشاريع كبرى من خلال شركات مملوكة للدولة كعملاق الصلب الكورى «بوسكو»، وكانت تتبنى موقفا عمليا براجماتيا لا أيديولوجيا من الملكية الحكومية، فلو أحسنت المشاريع الخاصة تؤيدها وتدعمها، وإذا لم تستثمر فى مجالات مهمة تؤسس هى شركات مملوكة للدولة، وإذا ساءت بعض المشاريع الخاصة تقوم بإعادة هيكلتها..وقبل ذلك، أو بموازاة ذلك نهضت كوريا الجنوبية، بعد الثورة الشاملة التي شهدها نظامها التعليم، إذ تمكّنت هذه الأخيرة من أن تجعل من التربية والتعليم أداة فعالة في مسيرة التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية على أرضها..وثمار الصياغة التربوية والهيكل التنظيمي الحديث والصارم في كوريا الجنوبية بارزة للعيان الآن..فالنظام التربوي في هذا البلد الوعر التضاريس، نظام حديث يهتم بصورة فعالة بإكساب المهارات وتعزيز القدرات الأساسية، ويهتم بالتطوير النوعي للتربية العلمية، ويضع الثقافة الحديثة المتطورة نصب عينيه، وهو يشارك بدور كبير في عمليات التنمية من خلال بناء الإنسان الواعي المبدع والملتزم بالعمل والأخلاق..ويقف النظام التربوي بكل قوة ليعزز مكانة التعليم، فيهتم منذ مرحلة رياض الأطفال بتربية الأطفال وبناء أجسامهم وتنمية لغتهم وذكائهم وغرس قيم التكيف الاجتماعي في نفوسهم وسلوكهم..والمرحلة الابتدائية في كوريا مرحلة إجبارية للجميع، ثم تأتي المرحلة المتوسطة لتكون إجبارية في بعض المناطق وخاصة مناطق صيد الأسماك والمناطق الزراعية..!
أما عندنا في المغرب، الغني بالخيرات والموارد البشرية والطاقات الشابة الخلاقة، ففي الوقت الذي انشغلت السلطات المركزية والمحلية بضبط إيقاع المشهد السياسي الذي تعيشه البلاد، بعد إقرار دستور جديد، فرضته ثورات الربيع العربي، واعتقد معه المغاربة أن البلاد تسير إلى شاطئ الأمان واستبشروا بالتغيير إلى الأحسن..سرعان ما ظهر أن هذا الوطن تتحكم فيه عقلية مخزنية منتهية الصلاحية، ميزتها الريع الجشع وانعدام الإرادة والاستمرار في سياسة التسويف والإجهاز على ما تبقى من أمل في المستقبل..فها هو موقع “The guardian” البريطاني يكشف في تقرير له عن معطيات خطيرة تتعلق بتهريب الذهب المغربي إلى الإمارات..حوالي أربعة إلى خمسة أطنان من سبائك الذهب مغطاة بالنحاس تم تهريبها من المغرب إلى مدينة دبي بالإمارات..! وبدى أن لا أحد من المغاربة الشرفاء، كان يعلم بذلك! وحده أمجد ريهان -وهو خبير بشركة “Ernst and Young”- اكتشف أثناء قيامه بعملية افتحاص للذهب بمجموعة “كلوتي” التي تعتبر أكبر مكرر للذهب في دبي، بعض الاختلالات الخطيرة ” يمكنني القول بأن ما فعلوه غير أخلاقي بتاتا و غير نزيه، ولا أستطيع أن أصدق هاته الأشياء تقام في مدينة حضارية كدبي، فخلال افتحاصي وجدت بعض الاختلالات الخطيرة، من بينها صفقات تمت بالأوراق النقدية ولم يتم التبليغ عنها بأكثر من 5.2 مليار دولار أي ما يعادل 53 مليار درهم مغربي من طرف مكرر واحد في عام واحد، علما أنه يجب عدم استخدام الأوراق النقدية خاصة إذا تعلق الأمر بالمتاجرة في الذهب” يقول هذا الخبير مصدوما ويضيف “ما اكتشفناه كان صادما ولا يجب التسامح معه بتاتا، وهو وجود ما بين 4 و 5 أطنان من الذهب عبارة عن سبائك مغطاة بالنحاس مهربة من المغرب وصلت إلى مدينة دبي بالامارات، و تم إعلانها أنها ذهب في الجمارك الشيء الذي جعل فريق الخبراء فور عثورهم على هذه الكمية يتحدثون إلى مسؤولي “كلوتي” الذين اعترفوا بأن هذه هي الطريقة المتبعة مع مزوديهم بالمغرب”.
وها هي مؤسسة يولير هيرمس، المتخصصة في مجال التحصيل والضمان، تؤكد أن تقلب سعر الدرهم في نطاق 2.5 في المائة يعرض بشكل أكبر الشركات المغربية إلى مخاطر الصرف..ففي السابق كان ثبات سعر الدرهم مقابل سلة العملات (المتأرجحة بنسبة 60 في المائة بالأورو و 40 في المائة بالدولار) يعطي انطباعا مغلوطا بغياب مخاطر الصرف، وبالتالي عدم الإستفادة من الحلول لتغطية هذه المخاطر، غير أن انخفاض قيمة العملات مقابل الدولار والأورو (النيرة النيجيرية على سبيل المثال) أثبت بأن هذه المخاطر في صرف العملة موجودة فعلا..وكان المغرب قد اعتمد يوم 15 يناير الجاري، إصلاحا جديدا يتمثل في توسيع نطاق تقلب سعر صرف الدرهم. فبعد أن كانت نسبة نطاق التقلب 0,3 بالمائة، باتت النسبة 2,5 بالمائة بغية تعزيز مناعة الاقتصاد الوطني أمام الصدمات الخارجية ودعم تنافسيته وتحسين مستوى النمو.وبعد أن بات بإمكان الدرهم التطور بشكل أقوى، فينبغي لهذا التصور السائد تجاه المخاطر أن يتطور أيضا، في اتجاه توفير حافز أقوى لاستخدام أدوات تغطية مخاطر الصرف، بما في ذلك التأمين على الائتمان..ومن الآن فصاعدا، قد ينخفض الدرهم عندما يرتفع الأورو والدولار الأمريكي، مما يعطي في الواقع استقلالية أقوى للسياسة النقدية وسعر الصرف في المغرب..وأمام تخوفات المغاربة من تداعيات هذه السياسة النقدية على الاقتصاد المحلي وعلى قدرتهم الشرائية، طمأنهم صندوق النقد الدولي بقوله إن العملة المغربية لن تهبط فور تنفيذ قرار التعويم..!
أما تنويم هذا الشعب الكريم أو استراتيجية تسييره بشكل ناجح، عن طريق سياسة الأمل، فتلك مهمة تفوّقت فيها الدولة المخزنية وأركانها..فالمواطن المغربي يعيش دائما على أمل..ويقضي عمره ينتظر ويتمنى حدوث الأفضل، وكذا ما وعدوه به دون أن يساهم ولو بشكل طفيف في إحداث التغيير الذي يشمله هو ومستقبله وحياته بصفة عامة، واستطاعت الحكومات المتعاقبة، والمختارة بعناية، رغم كونها منتخبة من طرف الشعب، استطاعت جعل المغربي يعيش أيضا على ما قُدّم له فقط، وما سوى هذا فهو يأمل بالقادم! ثم يأتي دور سياسة الإلهاء، وهي عملية تحويل وإبعاد الرأي العام المغربي، بمثقفيه ومفكريه، وخصوصا الطلبة والفئة المتعلمة، عن المشاكل والأمور المهمة والملحّة، إلى مشاكل أقل أهمية وأكثر صدى باستعمال الإعلام المضلل، وهذه مهمة تكفّلت بها وأتقنتها “دوزيم”، إلى درجة تبجحها باحتلال الصدارة في نسبة المشاهدة وتتبع “برامجها”، بل قلْ مسلسلاتها المدبلجة باللهجة المغربية! إلى جانب طرق أخرى مختلفة وماكرة وغير قابلة للاكتشاف، وكذلك نسج فصول مسرحية يكون البطل فيها “أصحاب الشأن” الذين تغلبوا على المشكلة، التي قاموا هم أنفسهم بصناعتها لإخفاء هشاشة التسيير واسترضاء الشعب بتحويل نظره عليها..أما المشاكل الإجتماعية والمواقف الإنسانية التي لا يراد لها أن تظهر، فيكفي تغطيتها برداء أشد سوادا وأوسع من ذلك الذي ترتديه تلك المواقف، ليتعاطف معها المغاربة بدعاء أو دمعة أو لايك أو نشر ومشاركة..وهنا تتجلى طريقة خلق المشاكل، فلا يوجد أفضل من تغطية مشكلة بكارثة أكبر منها، بحيث تهون الأولى وتصبح في طي النسيان، ولعل أفضل مثال على هذا هو أن أخبار الحوادث المرورية التي تقتل شابا أو عائلة أشد وقعا على النفس البشرية من الحوادث أو الكوارث الطبيعية التي تطيح بالآلاف والملايين، وهذا لأن البشر مبرمجون على التعاطف مع الحالات والأفراد أفضل منها مع الجماعات ذلك أن الإنسان في حالة الوفاة الجماعية يصبح رقما (هذا من الأمور التي يؤسف لها بطبيعة الحال)، ولذا لم يخطئ المثل القائل: إذا عمت هانت..!
إن تطبيق هذه الاستراتيجيات المستعملة في التحكم بالأفراد أو الشعوب، ليست حكرا على الدولة المغربية أو دولة المخزن، فجميع الحكومات الفاشلة أو العاجزة عن تحقيق التزاماتها اتجاه شعوبها تلجأ إليها..! وطريقة خلق المشاكل بداية لتشتت النظر عن المشكلة الأساسية والأهم، ومن ثم تتبعها بطريقة أخرى وهي المكملة للأولى غاية في قطف ثمار ما تم التخطيط له، وهي ما تسمى باقتراح الحلول أو إيجاد الحل، أسلوب فريد في المغرب، وهذا ما يرضي الشعب أو الفرد، خصوصا عندما لا يكون واعيا بحجمها وتأثيرها هي أو المشكلة الأكبر التي تغطيها، وهذه السياسة تنتهج على كافة الأصعدة المتعلقة بالحكم، بداية من الاقتصاد وصولا للثقافة والتعليم، وأحيانا أخرى توظف في مجال واحد فقط حسب “حاجة الحاكم”..والحكم لله من قبلُ ومن بعد!

حول عبدالصمد بوحلبة

اترك تعليق