صفحة الرئيسية / أخبار منوعة / الكأس الكافي لهضم “الخبز الحافي” ذكرى ميلاد رواية ورحيل كاتب!

الكأس الكافي لهضم “الخبز الحافي” ذكرى ميلاد رواية ورحيل كاتب!

عبدالصمد بوحلبة / أخبار المغرب.

لعل الحادث المأساوي الذي أودى بحياة 15 امرأة بسبب التدافع من أجل “قفة العيش”، التي تبرعت بها إحدى الجمعيات المحلية، في سيدي بولعلام بالصويرة..والذي صادف الذكرى 14 لميلاد “الخبز الحافي” ورحيل محمد شكري، صاحب هذه السيرة الحية، لعلّ هذا الحادث المأساوي يعكس مدى تقلص الفجوة بين الدراما والحياة الواقعية في المغرب الحديث..وما أثارته وتثيره سيرة محمد شكري الذاتية من جدل، يكاد يصل إلى درجة العبث، بسبب أسلوبه في تناول قضايا تعد من المحرمات في المجتمع المغربي، سواء بين أصدقائه وقرائه وحتى أسرته، لا يعدو أن يكون نزعة عامة للقيم التقليدية والأصول الاجتماعية وقتذاك! فلا قيمة للحرية إذا لم تكن، في إحدى صورها، تفسح مجالا للخطأ..وفي مقدمة الخبز الحافي جاء “قل كلمتك قبل أن تموت فإنها ستعرف حتما طريقها، لا يهم ما ستؤول إليه، الأهم هو أن تشعل عاطفة أو حزنا أو ثرثرة أو نزوة غافية…”

إن ما أثارته سيرة محمد شكري من ضجة في الأوساط الثقافية المغربية بعد نشرها بالعربية عام 1982، والإجماع الذي كاد يكتمل على منع “الخبز الحافي” في المغرب وفي عدد من الدول العربية، مباشرة بعد نشرها باللغة العربية، أعطى، في الواقع، قيمة كبيرة لهذه السيرة الذاتية الروائية..وما وجدته، شخصيا، كقاريء سري لروايته، في سن الثالثة عشر، تارة فوق السطح وتارة في الحمام، ما وجدته من تماهي بين حياته البائسة وطفولته التي عاشها متشرداً في طنجة قادما من الريف، وطفولتي الشقية في مطلع ثمانينيات الرصاص والسوط والسلطة، يجعل من رواية “الخبز الحافي” وثيقة اجتماعية تعكس الحالة التي كان يمر منها المغرب، خلال مرحلة الأربعينات من القرن الماضي، بل إن محمد شكري استطاع فرض نفسه في الساحة الأدبية المغربية آنذاك وفرض إحترام الناس له وهو الأمي السكير والصريح القاسي!

تمت ترجمة رواية “الخبز الحافي” إلى 38 لغة في العالم ضمنها الألمانية..وكانت بوابة المجد الابداعي الذي دخله محمد شكري، بكل جسده وروحه، دون أن يغادر حانة فندق ريتز بطنجة، حيث اعتاد الجلوس مع أصدقائه ومنهم الكاتب الأميركي بول بولز، المقيم بدوره في طنجة، والذي ترجمها إلى الانجليزية سنة 1973، بينما ترجمها إلى الفرنسية مواطنه الطاهر بنجلون سنة 1981، غير أنها لم تنشر باللغة العربية حتى سنة 1982، ورغم ذلك فإنها لم تلق الإهتمام والعناية المفترضين، لدى القاريء العربي والمغربي بوجه خاص..وكان لزاما على وزارتيْ الثقافة والتعليم التحلي بالشجاعة الأدبية والأمانة التاريخية لتصحيح الإتجاه والرؤية اللذين يطبعا الحديث عن سيرة شكري وأعماله الابداعية، وصار لزاما على الوزارتين جعل مناسبة تكريم محمد شكري من قبلهما، ومن طرف أصدقائه ومؤسسات ثقافية فرصة لمناقشة الجدل المثار حول أعماله وأسلوبه في تناول قضايا كانت تعد من المحرمات في المجتمع المغربي ولازالت..تكريسا لمبدأ الحوار وحق الإختلاف والحق في الغلط! وهو ما تحاوله، على استحياء، “مؤسسة محمد شكري”  في شخص رئيسها عبد اللطيف بن يحيى.

بتأثر بالغ، أستحضر اليوم، شريط ذكرى لقائي الوحيد والفريد بمحمد شكري/الحاضر الغائب..وجدته يتناول فطوره في طاولته المشهورة في حانة فندق ريتز بطنجة عام 2003.. كان هادئا جدا ومنتشيا بوحدته والشيب زاده مهابة..تقدمت نحوه وفي يدي مطبوعا لروايتي الأولى والأخيرة “البطالة عمل شاق”.. اعتذرت له عن الإزعاج فرد علي شكري الإنسان: ” تفضل اشرب شيئا واختصر من فضلك..” طلبت منه في ارتباك واضح أن يشرفني بقراءة أولية لهذا العمل الأدبي ويسجل ملاحظاته على الهامش..اعتذر بضيق الوقت وتعهد بقراءة مختارة قبل الحكم على أسلوب الكتابة..”فالأسلوب هو الكاتب” قال لي شكري..عد إذن بعد ساعتين..مادمت لا تريد أن تشرب شيئا.. قال لي الشحرور الأبيض، كما كان يُلقب من قبل أصدقائه، بعدما عدت للقائه: “رغم إثارتك لمواضيع حساسة مثل الدين والجنس والاقصاء الإجتماعي والكرامة وحقوق الإنسان وغيرها..وبأسلوبك السلس والخاص..فمازالت أمامك كتب كثيرة لقراءتها وتجارب عديدة يجب خوضها..محاولتك لابأس بها..أنصحك بحرقها وتأجيل لعنة الكتابة..إذ يبدو أنك من الذين يولدون وفي أفواههم ملاعق من ذهب..!!” رغم مظاهر البؤس التي كانت بادية على ملامحي وعلى ملابسي، تبتسمت في وجهه، وأذكر أني قلت له، منتشيا بشهادته في حقي، منتصف صباح ذلك اليوم البارد قبل أكثر من عشر سنوات: “عفوا سيدي أنا ابن رجل تعليم، وما هجرتي إلى تونس وتركيا وسوريا إلا هروبا من الفقر والبطالة..وليس في الأمر سياحة أو بطولة..” حينها ألقى إلي الراحل محمد شكري ابتسامة تعاطف وتضامن وأعاد سيجارته إلى شفتيه.. وطلب مني للمرة الأخيرة أنْ أشرب شيئا واعتذرت للمرة الثالثة وشكرته بحرارة وانصرفت بتوتر ظاهر ووجهه يشيعني بملامحه المشرقة..وفي طريق عودتي إلى مراكش، توقفت بمدينة العرائش، والكأس الكافي بيد والولاعة باليد الأخرى..تخلصت من روايتي الوليدة حرقا بالنار، على الشاطيء الصخري للمدينة..وأبت زخات مطرية خفيفة إلا إطفاء النار والحكم علي بأخذ بقايا سيرتي المحروقة معي..

قبل أكثر من عقد، تحدثت مليكة شكري، أخت الراحل، باسم عائلته “إننا نرفضُ رواية “الخبز الحافي” لما ورد فيها من مشاهد جنسية صادمة، وكذلك لتطرقها إلى علاقة الأب مع الأسرة التي كان يطبعها العنف”..مؤكدة أنها لم تطلع على الرواية. لكنها سمعت عنها كثيراً، مشيرة أن أختهم رحيمو اطلعت على تفاصيلها، مما جعلها تعبر عن رفضها الشديد لها في حياة محمد شكري، وحتى بعد مماته.. حتى بعض أصدقاء محمد شكري لم يصارحوه يوما، بغضبهم مما ورد في روايته “الخبز الحافي”..وبكونهم غير راضين عنها حقيقة، وعن كاتب طنجة وشحرورها الأبيض!

أثارت ترجمة “الخبز الحافي” إلى اللغة الفرنسية، في منتصف سبعينات القرن الماضي، ضجة كبيرة في الأوساط الثقافية المغربية، ليقرر بعد ذلك الراحل محمد شكري أن يصدرها باللغة العربية، فطالها منع أكبر بسبب ما تطرقت إليه من طابوهات اجتماعية..تيار المنع هذا وصلت  إلى دول عربية أخرى كمصر، التي أصدرت قرار منعها مباشرة بعد برمجتها في مقررات إحدى الجامعات المصرية! ومن سخرية الوعي والعار تمت ترجمتها إلى ثمانية وثلاثين لغة، لنفس دوافع المنع..لتطرقها لطابوهات اجتماعية تدخل في إطار “المقدس”..ورغم مساحة الحرية التي أصبح ينعم بها الإبداع في المغرب، إلا أنه ما تزال هناك حدود ترسم الإبداع..خصوصا فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي والعقائدي والديني، بدليل ما أثير من ردود الأفعال، حول بعض الأعمال السينمائية في السنوات الأخيرة، ورواية “الخبز الحافي” كنص مكتوب وما تختزنه من تجربة شكري الأدبية والإنسانية المختلفة في سياقها الثقافي والاجتماعي، يجب أن تستثنى من أي منع أو تضييق في الوقت الحاضر..! وشخصيا، مازلت أتجرع الكأس الكافي، عند كل جلسة “لهضم” مقاطع معينة من الخبز الحافي!!

 

حول عبدالصمد بوحلبة

اترك تعليق

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.